محمد باقر الملكي الميانجي
118
مناهج البيان في تفسير القرآن
الكتابة ، والاهتمام بما أدّب اللّه - سبحانه - به عباده ، والعمل بوصيّته لكيلا يقوم الندم والبخس والشطط . قوله تعالى : « وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ » . هذا لا يشمل المعاملة الّتي أحد الثمنين فيها مؤجّل ، فإنّه - سبحانه - فصّل أحكامها تفصيلا ، فلا نعرف عناية ووجها للتكرار ، فتعيّن أنّ المراد هي التجارة الحاضرة . وهذه جملة مستأنفة تدلّ على استحباب الإشهاد دون الكتابة ، ورفع الجناح عن ترك الكتابة والإشهاد لا ينافي استحباب الإشهاد . قوله تعالى : « وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ » . قال في الجوامع / 51 : « وَلا يُضَارَّ » يحتمل البناء للفاعل والمفعول ، والمعنى نهي الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما ، وعن التحريف والزّيادة والنقصان ، أو النهي عن الضّرار بهما بأن يعجّلا عن مهمّ ، أو لا يكلّف الكاتب الكتابة في حال عذر ولا يتفرّغ لذلك ، ولا يدعى الشاهد إلى إثبات الشهادة أو إقامتها في وقت لا يتفرّغ له . أقول : الحقّ في المقام أنّ اللّه - سبحانه - لمّا أمر الكاتب والشهيد بالكتابة والشهادة بالشروط الّتي شرط عليهما ، أراد - سبحانه - أن يجعل لهما حكم عدم المضارّة بأن لا يتضرّرا من ناحية تعيّن وظيفة الكتابة والشهادة بوجه من الوجوه ، وهكذا حكمه - تعالى - في جميع شرائعه في حقوق الناس بينهم في غير هذا المورد أيضا ، فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام . فإيجابه - تعالى - حكم الكتابة والشهادة لا يوجب تسلّط الناس عليهما - أي على الكاتب والشاهد - وإضرارهما بما يتمكّنون من استيفاء حقّ الكتابة وتحمّل الشهادة منهما ، فالواجب كون استيفاء حقّ الكتابة وحقّ تحمّل الشهادة بحيث لا يتوجّه ضرر عليهما . فتعيين ما لهما على الناس وما عليهما للناس على عهدة الفقيه من الكتاب والسنّة . قوله تعالى : « وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ » . فمن عمل فعلا يوجب إضرارهما فإنّ ذلك فسوق بهما ، وتعدّ عمّا حدّد اللّه - تعالى - لهما من الحقّ المشروع وعيّنه .